القرطبي
185
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ثم فسرها ما هي فقال : ( نار الله الموقدة ) أي التي أوقد عليها ألف عام ، وألف عام ، وألف عام ، فهي غير خامدة ، أعدها الله للعصاة . ( للتي تطلع على الأفئدة ) قال محمد بن كعب : تأكل النار جميع ما في أجسادهم ، حتى إذا بلغت إلى الفؤاد ، خلقوا خلقا جديدا ، فرجعت تأكلهم . وكذا روى خالد بن أبي عمران عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن النار تأكل أهلها ، حتى إذا اطلعت على أفئدتهم انتهت ، ثم إذا صدروا تعود ، فذلك قوله تعالى : " نار الله الموقدة . التي تطلع على الأفئدة " : . وخص الأفئدة لان الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه . أي إنه في حال من يموت وهم لا يموتون ، كما قال الله تعالى : " لا يموت فيها ولا يحيا " ( 1 ) [ طه : 74 ] فهم إذا أحياء في معنى الأموات . وقيل : معنى " تطلع على الأفئدة " أي تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب ، وذلك بما استبقاه الله تعالى من الامارة الدالة عليه . ويقال : أطلع فلان على كذا : أي علمه . وقد قال الله تعالى : " تدعوا من أدبر وتولى " ( 2 ) [ المعارج : 17 ] . وقال تعالى : " إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا " ( 3 ) [ الفرقان : 12 ] . فوصفها بهذا ، فلا يبعد أن توصف بالعلم . قوله تعالى : إنها عليهم مؤصدة ( 8 ) في عمد ممددة ( 9 ) أي مطبقة ، قال الحسن والضحاك . وقد تقدم في سورة " البلد " القول ( 4 ) فيه . وقيل : مغلقة ، بلغة قريش . يقولون : آصدت الباب إذا أغلقته ، قاله مجاهد . ومنه قول عبيد الله ابن قيس الرقيات : إن في القصر لو دخلنا غزالا * مصفقا موصدا ( 5 ) عليه الحجاب ( في عمد ممددة ) الفاء بمعنى الباء أي مؤصدة بعمد ممددة قاله ابن مسعود وهي في قراءته " بعمد ممددة " وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ثم إن الله يبعث إليهم
--> ( 1 ) آية 74 سورة طه . ( 2 ) آية 17 سورة المعارج . ( 3 ) آية 12 سورة الفرقان . ( 4 ) راجع ص 72 من هذا الجزء . ( 5 ) صفق الباب وأصفقه : أغلقه .